التصنيفات
الحكامة بالمغرب

الباحث سعد بوعشرين: بحاجة إلى 20 فبراير بحلة جديدة

قناة الحكامة

من موقعك كباحث ورئيس في الاستراتيجيات ورئيس للمعهد المغربي للحكامة، كيف تقيم أداء حركة 20 فبراير المغربية في ظل موجة الربيع العربي؟

أعتقد، أولاً، أن حركة 20 فبراير جاءت ضمن سياقات داخلية وخارجية مرتبطة أساساً بمستويات التحول التي عرفتها دول ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي . لقد انطلقت الحركة متأثرة بواقع الغليان الذي عرفته المنطقة العربية حيث سقط في البداية نموذج للدولة كان يعد الأكثر تقدماً في التحديث والعصرنة وهو النموذج التونسي، وسقط بعده النظام المصري والنظام الليبي ما أوحى بأن هناك موجة جارفة سوف تأتي على كل الأنظمة العربية، فكانت هناك القراءة المختزلة لطبيعة الحراك العربي ومدى امتداداته وتأثيراته .

طوال 12 شهراً والفاعلون الرئيسون داخل حركة 20 فبراير يبحثون عن سؤال استعصى على الجواب وهو: لماذا لم تخرج الطبقة المتوسطة في المغرب إلى الشارع . كل الأطياف داخل الحركة كانت مقتنعة على ضوء ما يقع في مناطق أخرى من العالم العربي بأن التراكم والوجود في الشارع سوف يؤدي إلى الأهداف رغم صعوبة الحديث عن إجماع على أهداف حركة 20 فبراير . لكن مع مرور الوقت بدأ المسار يتضح أمام الحركة حيث لم تستطع أمام الاستراتيجية الاستباقية للدولة أن تحافظ على موقعها والدور الذي حدده لها أصحابها كحركة رائدة في قيادة الشارع نحو التغيير . واتضح كذلك أن هناك فاعلين آخرين لهم رؤية مناقضة لأهداف الحركة ويدافعون عن التغيير والإصلاح في إطار الاستمرارية .

هل لعبت الحركة الشبابية دوراً ما في إطار ضمان التوازنات الاجتماعية في المغرب؟

قبل الحديث عن مستقبل حركة 20 فبراير، ومآلاتها، لابد من التوقف ولو قليلاً عند محطة التشخيص لطبيعة ودور ووظيفة وموقع الحركة ضمن خريطة التوازنات الاجتماعية التي يعرفها المغرب اليوم . على مستوى طبيعة الحركة، يمكننا الخروج بالخلاصة الآتية: إن حركة 20 فبراير هي نتيجة رد فعل تلقائي وعفوي على واقع الحراك الشعبي داخل العالم العربي وهي بذلك ظلت حبيسة فضاء الفكرة حيث استعصى عليها التحول إلى مشروع .

على مستوى الدور والوظيفة، لعبت الحركة دوراً مهماً في تسريع وتيرة الإصلاحات السياسية والمؤسساتية في المغرب من خلال وجودها في الشارع ولو بمستويات متفاوتة، وفي ما يخص الوظيفة لم تستطع الحركة أن تجعل من نفسها القوة الاجتماعية الضاغطة لضمان استمرار مسلسل الإصلاحات ومحاربة الفساد، خصوصاً أن البرنامج الحكومي الحالي قد انطلق في نفس الاتجاه، أما على مستوى الموقع فقد اتضح أن القاعدة الاجتماعية للحركة تقلصت لتأخذ حجم التمثيل الاجتماعي للتيارات الناشطة بداخلها .

ما الخلاصات التي يمكن أن نستخلصها من خلال هذا التحليل؟

من خلال كل ذلك تتضح لنا معالم مستقبل حركة 20 فبراير حيث أصبح الشارع المغربي يهتم اليوم بمن يحكم وكيف يحكم أكثر من اهتمامه بمن يحتج ولماذا يحتج، وهذا التحول في المسار السياسي سوف يفتح آفاقاً جديدة أمام الحركة إن استطاعت أن تتأقلم مع التطورات المتسارعة من حولها وتنخرط في الدينامية الجديدة التي يعيشها المغرب من أجل مأسسة أكثر فعالية لقوى الضغط في المجتمع .

هل يمكن أن يلعب المجتمع المدني في المغرب دوراً فعالاً في إطار المساحة التي يمنحه لها الدستور الجديد؟

هناك وظائف جديدة للمجتمع المدني حسب الدستور الجديد تفتح أمامه آفاقاً واسعة ليتحول كفاعل رئيس في عملية إنتاج وصياغة الفعل والسياسات العمومية، ومن خلال هيكلة الحكومة الحالية، نلاحظ وجود وزارة خاصة بالعلاقات مع المجتمع المدني ينتظرها الكثير في ما يخص الجوانب الإجرائية المرتبطة بهذا الموضوع، حركة 20 فبراير ينتظرها الكثير إن أرادت أن تتموقع ضمن رؤية الدستور الجديد في التعامل مع المجتمع المدني . لقد آن الأوان في المغرب لتقوم كل مؤسسة بوظيفتها المنوطة بها دستورياً حيث أصبحت الدولة مضطرة إلى اقتسام عملية إنتاج القوانين والتشريعات مع فاعلين جدد يتوسطهم بشكل مركزي المجتمع المدني الذي أصبح يلعب دوراً أساسياً في تحسين الأداء العمومي . إنني أعتقد أن المغرب في حاجة إلى 20 فبراير بحلة جديدة كما كان محتاجاً إلى 9 مارس/آذار .

عن هسبريس

GouvernanceTV

التصنيفات
الحكامة بالمغرب

محاولة لفهم سياق ما يجري 

قناة الحكامة

ينتمي المغرب إلى ما يمكن أن نصطلح عليه بسيناريو التحول الديمقراطي النخبوي السلمي وهو تقريبا شبيه بالحالة المصرية والحالة التونسية بعد فشل سياسات التقويم الهيكلي التي عصفت بالضفة الجنوبية للمتوسط في الربع الأخير من القرن الماضي . الجزائر آنذاك سقطت في سيناريو الديكتاتورية العسكرية حيث هيمن العسكر على السلطة السياسية حينما عجزت الطبقة السياسية الحاكمة أن تحمي مصالحه. تركيا استطاعت أن تعبر من فخ الوقوع في الديكتاتورية العسكرية في عهد صراع أربكان مع الجيش نحو مشروع مجتمعي مبني كذلك على قاعدة الديمقراطية النخبوية في مدة لا تقل عن ثلاثين سنة. لقد وقعت الثورة في تونس ومصر فلماذا لم تقع الثورة في المغرب ؟ وهو السؤال الذي يدور في أذهان رفاق الحريف وإخوان عبد السلام ياسين وهم يجهدون أنفسهم باستمرار لإقناع الطبقة الوسطى بالنزول إلى الشارع لتأجيج الوضع وتوفير شروط شعار ميدان التحرير المصري المتمثل في : الشعب يريد إسقاط النظام. بعض مقدمات الجواب قد نحاول ملامستها في الآتي: 
أولا : التحول الديمقراطي النخبوي السلمي هو انتقال بين النخب السياسية ولا علاقة لعموم الشعب به، فعندما كانت الدولة المغربية تضبط مواقعها ضمن اختيار استراتيجي مبني على ملكية دستورية في إطار تعددية سياسية، كانت تنشئ أحزاب السلطة التي يطلق عليها نعت الإدارية، وبالتالي تضمن أغلبيتها الحكومية عبر التحكم المباشر في صناديق الاقتراع فتتوزع الأدوار بين النخب السياسية على شكل نخبة الحكومة تقودها أحزاب السلطة ونخبة المعارضة التي قبلت بالخيار الديمقراطي عبر محطات بعد تلقي ضربات قوية من السلطة. هذا النوع من الانتقال الديمقراطي كان محكوما بطبيعة موازين القوى بين القاعدة الاجتماعية للسلطة السياسية والقاعدة الاجتماعية للمعارضة . أما القاعدة الاجتماعية للمجتمع أي تلك الفئات الواسعة من الشعب التي لا تستطيع أن تنتج تعبيراتها بسبب ظروف احتكار فضاء السياسة من طرف الدولة فلم يكن لها تأثير في معادلات التوازن والاستقرار لأنها غير ممثلة سياسيا وخروجها إلى الشارع كان يواجه بالقمع وبتكلفة إعلامية غير باهضة.
ثانيا : طيلة مسار صراع الدولة مع معارضتها اليسارية على الخصوص ،والبحث الدائم عن أرضية للتعايش دون الوصول إلى مرحلة القطيعة، كان هناك تيار إسلامي صاعد في المغرب استفاد من تاريخ حرب جمال عبد الناصر على الإخوان المسلمين في النصف الأول من القرن الماضي وفضل التواجد الهادئ بسقف مطالب غير مرتفع . كان يعارض مشروعية النظام في جزء منه (العدل والإحسان ) لكنه لا يجنح للعنف أو العصيان المدني وجزء آخر انطلق دعويا ليتدحرج إلى غمار السياسة وفق الشروط المسموح بها من طرف السلطة ليمارس العمل السياسي من داخل حزب سياسي قديم استطاع إعادة بناءه وهيكلته واستطاع من خلاله التجذر في خلايا المجتمع لأنه كان يمارس خطابا يعبر عن مطالب الشارع ويقوم بأدوار اجتماعية عجزت الأحزاب التقليدية عن القيام بها حيث وجد نفسه بدون منافس لإتقان سياسة القرب وترسيخ عناصر مشروعه داخل أوساط واسعة من مختلف الطبقات الشعبية.
ثالثا : صعود المعارضة التقليدية للحكم فيما عرف في المغرب سنة 1989 بحكومة التناوب التوافقي التي تحملت عبء الاستقرار أثناء عملية انتقال الملك أفقد كلا من السلطة السياسية والمعارضة التقليدية جزءا من قاعدتها الاجتماعية مما فسح المجال أمام الحزب الإسلامي للتوسع داخل القاعدة الاجتماعية للمجتمع التي ظلت في حالة إهمال من طرف السلطة وحكومتها المتوافقة. عشر سنوات في ظل مناخ دولي أطره إعلاميا شعار حرب أمريكا على الإرهاب استفاد منه العدالة والتنمية لكونه حزبا معارضا للسياسات 
الأمريكية التي كانت تستهدفه باعتباره حزب ينتمي إلى التيار الإسلامي الذي يهدد مصالح أمريكا في العالم بالإضافة إلى موقع الحزب المحترم من حيث عدد المقاعد كمعارضة برلمانية برغم إستراتيجية التحجيم التي كان يتعرض إليها جعلت الحزب يطور من آلته التنظيمية لمواجهة عواصف السلطة وليحافظ على درجة امتداداته الاجتماعية وعلى وثيرة توسيع قاعدته الشعبية حيث أكسبته صفة الضحية والمستهدف مشروعية تمثيل جزء كبير من مطالب الشارع.
رابعا : لقد التقطت السلطة منذ البداية أبعاد هذه المشروعية التي يمكن أن تتبلور كأكبر قوة سياسية معارضة لكنها لم تكن تمتلك لا الرؤية ولا الإجراء لوقف موجة توسع الإسلاميين داخل المجتمع حيث انخرطت في مسلسل الحرب على الإرهاب في تفاصيله الأمنية وبعد فشل المقاربة الأمنية انطلق خيار المحاصرة السياسية للحزب الإسلامي في الميدان عبر إطلاق حزب الأصالة والمعاصرة برعاية أحد أعمدة السلطة في المغرب وصديق للملك وبحجة أن الأحزاب السياسية في المغرب غير قادرة لوحدها على موازنة الكفة مع حزب جارف ويزداد قوة يوما بعد يوم وبوجود لاعب احتياط يعادله قوة خارج أسوار البرلمان. المعادلة كانت جد صعبة حيث في رقم قياسي استطاع حزب جديد أن يصبح القوة الأولى في البرلمان والقوة الأولى من حيث عدد المستشارين في الجماعات الترابية والقوة الأولى من حيث القدرة على الاستقطاب بالإضافة إلى قوة النفوذ حيث ترأس مجلس المستشارين وبالتالي أصبحنا تماما أمام شبه دولة للحزب الوحيد مما بدء يثير حفيظة الإتحاد الأوروبي ويهدد موقع الوضع المتقدم كبداية لتهاوي مكتسبات أرقام الحكومات السابقة على علاتها.
خامسا : حينما دق ناقوس الربيع العربي ونجحت الثورة في 
تونس ثم في مصر وبدأ نظام القذافي بالانهيار مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات في الكثير من الأقطار العربية دخل المغرب الذي لم يشذ عن القاعدة مع انطلاق حركة 20 فبراير في إستراتيجية استباقية لمواجهة الخطر كانت بدايتها إعلان الملك استعداده للتخلى عن جزء من صلاحياته الدستورية في إطار معادلة جديدة لترتيب دوائر القرار ضمن دستور جديد يفوض صلاحيات التدبير اليومي للشأن العام إلى رئيس للحكومة بصلاحيات فعلية ،ثم بعد ذلك إجراء انتخابات سابقة لأوانها شفافة ونزيهة وتفويض السلطة مباشرة للحزب الفائز بالانتخابات ليعمل على تشكيل حكومة سياسية مسؤولة أمام الناخبين. رافق هذا إطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين والوقف النهائي لتدخل السلطة في الحياة السياسية للأحزاب والسماح بالاحتجاجات السلمية في الشارع العام.
بقي سؤال على جل متتبعي الشأن العام أن يطرحوه، هل نتجه فعلا من خلال السياق الحالي للحياة السياسية المغربية نحو القطيعة مع الماضي ونحو انتقال ديمقراطي حقيقي في أفق خلق شروط ودينامية الملكية البرلمانية في المغرب ؟

GouvernanceTV

التصنيفات
الحكامة بالمغرب

الباحث سعد بوعشرين: بحاجة إلى 20 فبراير بحلة جديدة

قناة الحكامة

من موقعك كباحث ورئيس في الاستراتيجيات ورئيس للمعهد المغربي للحكامة، كيف تقيم أداء حركة 20 فبراير المغربية في ظل موجة الربيع العربي؟

أعتقد، أولاً، أن حركة 20 فبراير جاءت ضمن سياقات داخلية وخارجية مرتبطة أساساً بمستويات التحول التي عرفتها دول ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي . لقد انطلقت الحركة متأثرة بواقع الغليان الذي عرفته المنطقة العربية حيث سقط في البداية نموذج للدولة كان يعد الأكثر تقدماً في التحديث والعصرنة وهو النموذج التونسي، وسقط بعده النظام المصري والنظام الليبي ما أوحى بأن هناك موجة جارفة سوف تأتي على كل الأنظمة العربية، فكانت هناك القراءة المختزلة لطبيعة الحراك العربي ومدى امتداداته وتأثيراته .

طوال 12 شهراً والفاعلون الرئيسون داخل حركة 20 فبراير يبحثون عن سؤال استعصى على الجواب وهو: لماذا لم تخرج الطبقة المتوسطة في المغرب إلى الشارع . كل الأطياف داخل الحركة كانت مقتنعة على ضوء ما يقع في مناطق أخرى من العالم العربي بأن التراكم والوجود في الشارع سوف يؤدي إلى الأهداف رغم صعوبة الحديث عن إجماع على أهداف حركة 20 فبراير . لكن مع مرور الوقت بدأ المسار يتضح أمام الحركة حيث لم تستطع أمام الاستراتيجية الاستباقية للدولة أن تحافظ على موقعها والدور الذي حدده لها أصحابها كحركة رائدة في قيادة الشارع نحو التغيير . واتضح كذلك أن هناك فاعلين آخرين لهم رؤية مناقضة لأهداف الحركة ويدافعون عن التغيير والإصلاح في إطار الاستمرارية .

هل لعبت الحركة الشبابية دوراً ما في إطار ضمان التوازنات الاجتماعية في المغرب؟

قبل الحديث عن مستقبل حركة 20 فبراير، ومآلاتها، لابد من التوقف ولو قليلاً عند محطة التشخيص لطبيعة ودور ووظيفة وموقع الحركة ضمن خريطة التوازنات الاجتماعية التي يعرفها المغرب اليوم . على مستوى طبيعة الحركة، يمكننا الخروج بالخلاصة الآتية: إن حركة 20 فبراير هي نتيجة رد فعل تلقائي وعفوي على واقع الحراك الشعبي داخل العالم العربي وهي بذلك ظلت حبيسة فضاء الفكرة حيث استعصى عليها التحول إلى مشروع .

على مستوى الدور والوظيفة، لعبت الحركة دوراً مهماً في تسريع وتيرة الإصلاحات السياسية والمؤسساتية في المغرب من خلال وجودها في الشارع ولو بمستويات متفاوتة، وفي ما يخص الوظيفة لم تستطع الحركة أن تجعل من نفسها القوة الاجتماعية الضاغطة لضمان استمرار مسلسل الإصلاحات ومحاربة الفساد، خصوصاً أن البرنامج الحكومي الحالي قد انطلق في نفس الاتجاه، أما على مستوى الموقع فقد اتضح أن القاعدة الاجتماعية للحركة تقلصت لتأخذ حجم التمثيل الاجتماعي للتيارات الناشطة بداخلها .

ما الخلاصات التي يمكن أن نستخلصها من خلال هذا التحليل؟

من خلال كل ذلك تتضح لنا معالم مستقبل حركة 20 فبراير حيث أصبح الشارع المغربي يهتم اليوم بمن يحكم وكيف يحكم أكثر من اهتمامه بمن يحتج ولماذا يحتج، وهذا التحول في المسار السياسي سوف يفتح آفاقاً جديدة أمام الحركة إن استطاعت أن تتأقلم مع التطورات المتسارعة من حولها وتنخرط في الدينامية الجديدة التي يعيشها المغرب من أجل مأسسة أكثر فعالية لقوى الضغط في المجتمع .

هل يمكن أن يلعب المجتمع المدني في المغرب دوراً فعالاً في إطار المساحة التي يمنحه لها الدستور الجديد؟

هناك وظائف جديدة للمجتمع المدني حسب الدستور الجديد تفتح أمامه آفاقاً واسعة ليتحول كفاعل رئيس في عملية إنتاج وصياغة الفعل والسياسات العمومية، ومن خلال هيكلة الحكومة الحالية، نلاحظ وجود وزارة خاصة بالعلاقات مع المجتمع المدني ينتظرها الكثير في ما يخص الجوانب الإجرائية المرتبطة بهذا الموضوع، حركة 20 فبراير ينتظرها الكثير إن أرادت أن تتموقع ضمن رؤية الدستور الجديد في التعامل مع المجتمع المدني . لقد آن الأوان في المغرب لتقوم كل مؤسسة بوظيفتها المنوطة بها دستورياً حيث أصبحت الدولة مضطرة إلى اقتسام عملية إنتاج القوانين والتشريعات مع فاعلين جدد يتوسطهم بشكل مركزي المجتمع المدني الذي أصبح يلعب دوراً أساسياً في تحسين الأداء العمومي . إنني أعتقد أن المغرب في حاجة إلى 20 فبراير بحلة جديدة كما كان محتاجاً إلى 9 مارس/آذار .

GouvernanceTV

التصنيفات
الحكامة بالمغرب

البرنامج الحكومي: سياقات التحول في إطار الاستمرارية 

قناة الحكامة

سعد بوعشرين

1- الرؤية الإستراتيجية العامة التي تؤطر البرنامج :

جاء البرنامج الحكومي لأول حكومة في عهد الدستور الجديد منسجما مع التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة فيما هو مرتبط في خطوطه العريضة مؤكدا على الاستمرار في المشاريع الإستراتيجية المهيكلة التي يتطلب تنفيذها أكثر من ولاية حكومية، وجاء كذلك مترجما للتوجهات الكبرى للدولة المغربية المعلن عنها في الدستور الجديد سواء على مستوى تحديث هياكل الدولة من خلال استكمال البناء المؤسساتي لإرساء مؤسسات الحكامة والقوانين التنظيمية المرافقة أو على مستوى تحديث المجتمع من خلال البحث عن سبل امتصاص الهشاشة الاجتماعية وخلق شروط تنمية وتوسيع دائرة الطبقة الوسطى أو على مستوى تحديث أنماط تدبير الشأن العام من خلال تفعيل مقتضيات الحكامة في التدبير العمومي عبر آليات التشارك وربط المسؤولية بالمحاسبة. وكما أن لكل إستراتيجية رؤيتها العامة على المستوى البرنامجي فيما يخص الموارد الضرورية لبلوغ الأهداف، فقد جاء البرنامج الحكومي بمجموعة من التدابير المرقمة منها وغير المرقمة التي تعتزم الحكومة اتخاذها لتحقيق وعودها ضمن أهداف عبر عنها البرنامج بصيغة “التوجهات الكبرى” واعتمادا على آليات عبر عنها البرنامج كذلك ب “المرتكزات” ضمن أفق استراتيجي نستطيع أن نعبر عنه بأفق دولة الحكامة.


2 – في طبيعة الهيكلة الحكومية 
الجديدة :


كما هو معروف في علم التدبير فإن التنظيم ابن الإستراتيجية وبالتالي يمكن أن نقرأ التفاصيل العامة للبرنامج الحكومي من خلال طبيعة الهيكلة الحكومية 
الجديدة والأدوار الجديدة التي سوف تضطلع بها بعض المؤسسات الوزارية المستحدثة. على مستوى رئاسة الحكومة أحدث منصب وزير دولة وهو بمثابة نائب فعلي لرئيس الحكومة يقتسم معه أعباء الأجندة الممتلئة ويمكن أن نقول بأن الدور الرئيسي الذي يمكن أن يلعبه هو الحفاظ على تماسك الأغلبية الحكومية. على مستوى وزارة المالية أحدثت وزارة منتدبة مكلفة بالميزانية وهو ما يعني أن البرنامج الحكومي مقبل على إعادة ترتيب بيت الميزانية العامة للدولة وفق خطة تمكنه من تمويل مرتكزات السياسة العامة للحكومة على المستوى الاجتماعي التي تقترح تدابير إجرائية من شأنها أن تحدث تغييرا كذلك على مستوى التوجهات العامة لسياسة الدولة فيما يخص التعاطي مع الطبقات الاجتماعية وروافدها الاقتصادية. هناك تصور أولي في هذا المجال يعتمد على تغيير نمط الحكامة لصندوق المقاصة وفق إجراءات أكثر عقلانية فيم يخص عملية استهداف جديدة وتحويل متجهات الدعم نحو صناديق اجتماعية أخرى. أما على مستوى السياسة المجالية فقد أضيفت عبارة “وسياسة المدينة” إلى اسم وزارة الإسكان والتعمير بعد حذف عبارة “والتنمية المجالية” وهو ما يعني أن الحكومة سوف تعمل بمقاربة جديدة لتدبير المدن المغربية بعد أن أصبحت نظريات التنمية الحديثة تتجه نحو إعطاء المدن دور الرافعات الأساسية للنمو الاقتصادي. أما على مستوى رأس الحكومة فقد أحدثت وزارة منتدبة سوف تعنى بشؤون الحكامة للتتبع والتنسيق بين الإستراتيجيات القطاعية في حين أصبحت وزارة العدل تحت اسم وزارة العدل والحريات للإعلان عن انطلاق برنامج حكومي سوف يتعاطى بطريقة مختلفة مع مجالات الحريات العامة والفردية وسوف يركز عليها بعد أن أصبحت السلطة القضائية بحكم الدستور سلطة مستقلة بمجلس أعلى. المجتمع المدني كذلك وانسجاما مع الدور الذي أصبح يضطلع به دستوريا يجد له مكانا في الهيكلة الحكومية حيث أضيفت مهمة العلاقة مع المجتمع المدني للوزارة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان وخلاصة القول نحن أمام برنامج حكومي معالم توجهاته الكبرى انطلقت من خلال الهيكلة الحكومية الجديدة.


3 – في مهام وزارة الشؤون العامة والحكامة :


يمكن أن نعتبر الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالشؤون العامة والحكامة هي أم الوزارات داخل التركيبة الحكومية 
الجديدة نظرا للدور الذي سوف تلعبه سواء على مستوى تفعيل مقتضيات محاربة الفساد والريع وتتبع أعمال مختلف أجهزة الرقابة على المال العام ومدها بالخطوط العامة لعملها وخصوصا عملية التنسيق على مستوى التوجه العام بين برامج المجلس الأعلى للحسابات وبرامج مختلف المفتشيات العامة (للمالية والمرتبطة بالوزارات وتلك المرتبطة بالإدارة الترابية) وكذا التنسيق مع الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة أو منظمات المجتمع المدني العاملة في نفس الميدان كالهيأة الوطنية لحماية المال العام أو تراسبارانسي المغرب وغيرها. من جهة أخرى سوف تتحمل نفس الوزارة أعباء تتبع السياسات القطاعية والتنسيق فيما بينها ضمن رؤية مندمجة للبحث عن شروط الالتقائية فيما بينها وكذلك بينها وبين المشاريع المهيكلة التي قد تفرض تدخل فاعلين آخرين سواء كانوا فاعلين اقتصاديين أو فاعلين مؤسساتيين يشتغلون تحت وصاية المؤسسات الوزارية. ومن جهة ثالثة سوف تتحمل هذه الوزارة كذلك مسؤولية تتبع أشغال مؤسسات الحكامة التي جاء بها الدستور الجديد والعمل على مرافقتها في إرساء أجندات اشتغالها وفق رؤية مندمجة كذلك لصهر أدائها وفق ما يخدم الأهداف العامة للبرنامج الحكومي. هناك طبعا إشكالات سوف تطرح على هذه المستويات الثلاث فيما يخص طبيعة مهمة هذه الوزارة وحدود اختصاصاتها وطبيعة تدخلاتها حيث لا يتسع المجال للتفصيل في هذا المقال.


4 – في موقف المعارضة


أهم ما يميز موقف المعارضة بمختلف ألوانها هو توجيه نقد للبرنامج الحكومي طابعه العام يصب في غياب لغة الأرقام وعدم الوضوح في التدابير لتمويل البرنامج بالإضافة إلى إهمال معطيات الظرفية الاقتصادية العالمية وتأثيرها على الإقتصاد المغربي وغياب الجدولة الزمنية في تنزيل البرنامج مع التأكيد على التراجع فيما يخص قضية النوع الاجتماعي وعلى الخصوص المرأة وموقعها في الحكومة وفي البرنامج، ومخاطر التعامل مع صندوق المقاصة خارج نطاق رؤية شمولية مع الاحتجاج طبعا على تسريب البرنامج للصحافة قبل عرضه على البرلمان. لقد جاءت مواقف المعارضة ضمن الرؤية العامة التي تؤطر البرنامج الحكومي والمرتبطة بسياق الاستمرارية على مستوى التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة وهو ما يبشر بأفق سياسي يغلب عليه طابع الاستقرار فيما هو مرتبط بالاختيارات الكبرى التي لخصتها الوثيقة الدستورية.


خلاصة:

لقد دخل المغرب عبر محطة الربيع العربي إلى مرحلة سياسية جديدة ملامحها بدأت تتشكل من خلال الأسلوب المتحضر الذي بدأت تبين عنه النخب السياسية بأداء متميز سواء على مستوى كيفية تدبير الاختلافات أو على مستوى التعامل مع المواقع الجديدة لبعض الفاعلين السياسيين .نحن في بداية التراكم لما سيمكن ساحتنا السياسية مستقبلا من إفراز أقطاب حقيقية لها من الخبرة ما يكفي لممارسة تناوب ديمقراطي تفرزه صناديق الاقتراع بقيادة ملك له من الإرادة ما يكفي لاقتسام السلطة والقرار الإستراتيجي وخير دليل على ذلك لجوء حكومة الحكامة مباشرة إلى البرلمان للمصادقة على برنامجها رغم توجهها الإستراتيجي الجديد القائم على محور الحكامة بكل ما يستبطنه من إجراءات إن نجحت الحكومة في تطبيقها سوف تنتج معادلات اجتماعية غير مسبوقة.

عن هسبريس

GouvernanceTV

 

التصنيفات
الحكامة بالمغرب

مقدمة في التنزيل الديمقراطي للدستور 

قناة الحكامة

في الوقت الذي يصرح فيه مصطفى الخلفي وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة بأن النظر اقتضى عرض البرنامج الحكومي على المجلس الوزاري لأنه يتضمن قضايا ذات طبيعة إستراتيجية يصرح حسن طارق البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي بأن المجلس الوزاري ليس من اختصاصه المصادقة على البرنامج الحكومي – جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 9982 ليوم السبت والأحد 7-8 يناير 212 – والحقيقة أن الأمر يعتبر سابقة في المغرب أن تلجأ الحكومة إلى المجلس الوزاري للتداول في البرنامج الحكومي قبل عرضه على البرلمان كما جاء في نفس الجريدة على لسان من وصفتهم بالفقهاء الدستوريين دون ذكر أي اسم من هؤلاء الفقهاء. 
والواقع حسب ما أعتقد أن الأمر قد أثير لأول مرة على صفحات أسبوعية المشهد المغربي التابعة لمجموعة ” ماروك سوار” في عددها 103 الذي نشر يوم 30 دجنبر 2011 حيث أجرى معي الصحفي محمد السليكي حوارا يتعلق بالتصريح الحكومي المقبل في عهد الدستور الجديد ضمن ملف للعدد مرتبط بنفس الموضوع. وجاء التقديم للحوار من طرف الصحفي ذاته متحدثا عن مناطق الظل في التصريح الحكومي المنتظر والتي بحسبه ألقى الحوار عليها الضوء وخصوصا فيما يتعلق بضوابط إعداد هذا التصريح. وسبق أن أشار موقع هسبريس إلى الموضوع معتبرا أنني وضعت منهجية إعداد التصريح الحكومي تحت سياط النقد. في الحقيقة لم يكن نقدا من أجل النقد حيث سبق أن اشتغلت مع طلبتي في المدرسة الوطنية للإدارة على موضوع صناعة القرار الإستراتيجي في الدولة المغربية ضمن مادة الحكامة والتدبير العمومي التي أدرسها منذ سنة 2007 وسبق أن نشرت بعض الخلاصات التي توصلت إليها من خلال الأوراش التطبيقية في باب الرأي لموقع هسبريس أملا للخروج بالموضوع إلى دائرة واسعة للنقاش العلمي والمطارحة النظرية. وتعميما للفائدة ولاستقبال الآراء المتعددة أود المعذرة للتذكير بما سبق أن نشرته فيما يخص الموضوع لأنه لا محالة محل نقاش فيما هو مرتبط بقضية التنزيل الديمقراطي للدستور.
1- مقاطع من مقال : حكومة الحكامة نشر في هسبريس يوم 30/11/2011
أمام رفاق عبد الإله بنكيران اليوم تحدي أجرأة آليات اقتسام القرار الإستراتيجي في طاولة يجلس حولها فاعلون سياسيون مختلفون في الأهداف لكن تجمعهم مصلحة واحدة وهي إنجاح برنامج حكومي متوافق عليه. آليات هذا الفعل وإن كانت تحتاج إلى المراس السياسي لكنها تنتمي إلى مجالات تدبير القرار العمومي وإلى فضاء السياسات العمومية.
الشق الأصعب في التمرين هو كيفية تدبير العلاقة مع الملك باعتباره رئيسا للدولة ورئيسا كذلك لمجلس الوزراء. لقد قال بنكيران في ندوته الصحافية يوم الأحد الفارط أنه لا يمكن حكم المغرب ضد إرادة الملك لكنه وفي نفس الآن ضرب مثالا عن مولاي أحمد العراقي، الوزير الأول في نهاية ستينات القرن الماضي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان يُكاتب الملك، وإذا لم يتلقّ أي ردٍّ منه خلال ساعتين، يعمل بقراره، على أساس أن الملك غيْر مُعترض. الإشكالية اليوم تبدو أعقد بكثير مما عرفه مغرب الحسن الثاني لأن كيفية ممارسة العلاقة بين الملك ورئيس الحكومة مؤطرة اليوم بدستور ينظم الصلاحيات بشكل دقيق وبنتائج لصناديق اقتراع شفافة، وعليه يصبح سلوك رئيس الحكومة اليوم عنصرا استراتيجيا محددا في تأويل روح ومضامين الدستور الجديد. يجب أن يلمس المغاربة عنوان الإنتقال الديمقراطي في المغرب من خلال جزئيات هذا التفصيل الذي يحدد بشكل واضح على مستوى السلوك هوامش القرار بين مساحة صلاحيات الملك ومساحة صلاحيات رئيس الحكومة.
لايمكن أن نتحدث اليوم عن حكامة في تدبير الشأن العام إذا لم تتضح مساحات القرار للفاعلين الإستراتيجيين في الدولة وبالتالي نستطيع أن نضبط إيقاعات المحاسبة وفق قاعدة” لا يمكن محاسبة من لا يمتلك القرار”.
2 – مقاطع من مقال : حكومة محاربة الريع والفساد نشر في هسبريس يوم 03/12/2012
في الواقع تمرين تشكيل الحكومة مرتبط بالاتفاق على سقف شعارها الإستراتيجي المتمثل في شعار محاربة الريع والفساد والأمر فيه كثير من التعقيد ويتطلب الكثير من القدرة على المرونة والمناورة واستيعاب منطق التدرج، لقد عاش حزب العدالة والتنمية ثلاث حكومات في موقع المعارضة ويحتاج إلى نفس المدة على الأقل لتحقيق شعاره الانتخابي الذي قد يصبح شعار حكومته الحالية إذا ما استطاع تقديم التنازلات والضمانات المطلوبة.
أمام الحكومة المقبلة مخاطر كثيرة لكنها تتمتع بمشروعية دستورية ومشروعية صناديق الاقتراع والمسلسل في بدايته والتمرين صعب وتحفه مخاطر أهمها أن تحارب الحكومة 
الجديدة الفساد بالدرجة التي لن تحدث تناقضا في المصالح بين الفاعلين الرئيسيين في معادلة التوازن والإستقرار بهذا البلد الحبيب، هناك إرادة للإشتغال إلى جانب الملك فهل ستكف جيوب مقاومة التغيير عن التحرش بحكومة مسؤولة أمام الملك والشعب.
3 – مقاطع من مقال : محاولة لفهم سياق مايجري نشر في هسبريس يوم 14/12/2012
فعندما كانت الدولة المغربية تضبط مواقعها ضمن اختيار استراتيجي مبني على ملكية دستورية في إطار تعددية سياسية، كانت تنشئ أحزاب السلطة التي يطلق عليها نعت الإدارية، وبالتالي تضمن أغلبيتها الحكومية عبر التحكم المباشر في صناديق الاقتراع فتتوزع الأدوار بين النخب السياسية على شكل نخبة الحكومة تقودها أحزاب السلطة ونخبة المعارضة التي قبلت بالخيار الديمقراطي عبر محطات بعد تلقي ضربات قوية من السلطة.
حينما دق ناقوس الربيع العربي ونجحت الثورة في 
تونس ثم في مصر وبدأ نظام القذافي بالانهيار مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات في الكثير من الأقطار العربية دخل المغرب الذي لم يشذ عن القاعدة مع انطلاق حركة 20 فبراير في إستراتيجية استباقية لمواجهة الخطر كانت بدايتها إعلان الملك استعداده للتخلى عن جزء من صلاحياته الدستورية في إطار معادلة جديدة لترتيب دوائر القرار ضمن دستور جديد يفوض صلاحيات التدبير اليومي للشأن العام إلى رئيس للحكومة بصلاحيات فعلية.
4 – مقطع من حوار أسبوعية المشهد نشر يوم 30/12/2012 وعقب عنه موقع هسبريس
في البداية يجب التعامل مع وثيقة التصريح الحكومي من حيث طبيعتها هل هي وثيقة إستراتجية ام وثيقة لترجمة التوجه الاستراتجي العام للدولة الذي يعتبر اختصاص المجلس الوزاري دستوريا،ففي الحقيقة نحن أمام تمرين جديد على فن إدارة الحكومة بكل تفاصيله ،فإذا كانت الوثيقة ذات طبيعة إستراتجية فماذا نعني في الدستور بصلاحية المجلس الوزاري الذي من صلاحياته تحديد السياسات العامة والإستراتجية للدولة وإذا كانت الوثيقة ما هي إلا ترجمة للتوجهات العامة للدولة فالمجلس الوزاري لم ينعقد بعد. وما يؤكد على أننا في مرحلة تمرين حقيقي هو أن الإستراتجية العامة للدولة تحدد في مجلس وزراي، وبالتركيبة نفسها باستثناء جلالة الملك يجتمع رئيس الحكومة مع أعضائها فيما يسمى دستوريا بالمجلس الحكومي لترجمة هذه التوجهات العامة إلى مشاريع.
لذلك نحن أمام ما يمكن أن نطلق عليه مؤسسة إستراتجية في الدولة بعنوان المجلس الوزاري والمؤسسة نفسها بعنوان الحكومة هي من سيسهر على تنفيذ تلك التوجهات العامة في شكل سياسات عمومية وقطاعية.
5- مقاطع من مقال : في شروط العبور نحو الديمقراطية نشر في هسبريس يوم 04/01/2012
لا أعتقد أن هناك كثير من الاختلاف بين المحللين والراصدين للحالة المغربية على أننا نعيش مرحلة تحول فعلي وحقيقي، وعلى أننا نتجه نحو محاولة إرساء قواعد ومعادلات جديدة في أسلوب إدارة شؤون الدولة وشؤون الحكم وشؤون تدبير الشأن العام. فنحن أمام دستور جديد ينظم صلاحيات الفاعلين في القرارات الإستراتيجية للدولة بشكل واضح وأمامنا مرحلة تمرين حرج وصعب على ممارسة هذه الصلاحيات والنجاح في محطة بداية التحول ضمان للاستمرار في التمرين وما دونه فقدان للبوصلة وانتظار المفاجئات. ثمة بعض عناصر التشخيص الاستراتيجي فيما هو مرتبط بالتمرين الأول لهذا التحول وهو التمرين على إنتاج القرار الإستراتيجي في الدولة وكيفية ممارسته.
يجب التنبيه في البداية إلى أنه لا توجد في المغرب مؤسسة يخول إليها رسم التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة خارج نطاق المجلس الوزاري ويتحدث الدستور الجديد في الفصل 49 أن من اختصاص هذا الأخير التداول في ما هو استراتيجي على مستوى السياسة العامة للدولة، وكما هو معروف، فإن تركيبة المجلس الوزاري تتكون من الملك رئيسا ومن رئيس الحكومة والوزراء والآلية المعتمدة دستوريا هي التداول. وعليه ،على مستوى الموقع، نحن أمام مجلس استراتيجي للدولة بعنوان المجلس الوزاري مخول له دستوريا التداول في التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة. وعلى المستوى الوظيفي يمكن أن نعتبر أن الوظيفة الأسمى لهذا المجلس تتحدد في الحفاظ على المصالح العليا للمغرب في بعدها الإستراتيجي اقتصاديا وأمنيا بلحاظ المهام الأخرى المخول له التداول فيها وخصوصا التوجهات العامة لمشروع قانون المالية ومشاريع مراجعة الدستور ومشاريع القوانين التنظيمية وإشهار الحرب أو إعلان حالة الحصار ومشاريع النصوص المتعلقة بالمجال العسكري. وبنفس التركيبة وفي غياب الملك يصبح المجلس حكوميا يرأسه رئيس الحكومة وتسقط عنه دستوريا صفة المؤسسة الإستراتيجية وينظم صلاحياته فصل آخر من الدستور وهو الفصل 92 وتصبح وظيفته تنفيذية أكثر منها تخطيطية بالرغم من تداوله في بعض القضايا الإستراتيجية كالسياسة العامة للدولة وتوجهات قانون المالية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية لكنه لا يتخذ أي قرار بشأنها إلا بعد عرضها على المجلس الوزاري.
وخلاصة ما سبق أن صناعة القرار الإستراتيجي في الدولة أصبحت محط تداول بين الملك من جهة ورئيس الحكومة ووزراء أغلبيته من جهة أخرى. وبالتالي ومن خلال التأويل الديمقراطي للدستور لم يعد الملك يحتكر القرار الإستراتيجي بل أصبح يتقاسمه بصيغة تشاركية مع الحكومة وهو تقاسم أيضا للمسؤولية لأن كل ما يصدر عن المجلس الوزاري مشترك بين الملك والحكومة فيما يتعلق بالشؤون الإستراتيجية.
لم يتحدث الدستور الجديد عن قانون تنظيمي يمكن أن ينظم عملية اشتغال المجلس الوزاري وتحدث فقط عن آلية اسمها التداول وترك المجال مفتوحا بين أعضائها في حين تحدث في الفصل 87 من الدستور عن قانون تنظيمي يحدد القواعد المتعلقة بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة. هذا التمييز من الناحية الإستراتيجية يوضح الاختلاف في الوظائف بين مؤسسة المجلس الوزاري ومؤسسة المجلس الحكومي لأن العلاقة المنظمة لسير أشغال المجلس الوزاري محكومة باختيار نمط الحكامة التشاركية فيما يعنيه إمكانية اقتسام القرار الإستراتيجي في الدولة بين الملك والحكومة واستتباعا اقتسام ما سيترتب عن القرار من مسؤولية. فعملية المحاسبة على الاختيارات الإستراتيجية للدولة والتي هي بطبيعة نمط الحكامة المتبع سوف تشمل كلا من الملك والحكومة لأنهما الفاعلان الرئيسيان في صياغة القرار الإستراتيجي في الدولة في حين تكون المحاسبة فيما يخص نمط التدبير الحكومي لقضايا الشأن العام مقتصرة على الحكومة لأن الدستور خول لها السهر على التدبير اليومي لشؤون المغاربة
أهم ما يميز تمرين صناعة القرار الإستراتيجي في الدولة اليوم هو كفاءة الحكومة أمام الملك ومدى توفرها على ملفات مضبوطة واختيارات مبنية على سيناريوهات حقيقية ودراسات ذات جدوى وبوصلة في التنزيل والتنفيذ للبرامج وفق حسابات إستراتيجية واضحة بعيدة عن المخاطر والمنزلقات وتأخذ بعين الاعتبار أهمية التراكم في إصلاح الأعطاب الديمقراطية وهي محددات خلق الثقة داخل المجلس الوزاري لدى المؤسسة الملكية التي تعتبر في موقع المتفوق من حيث الخبرة والتجربة وفريق المستشارين وضبط الملفات وبالنتيجة التفوق على مستوى لوحة القيادة ورسم السيناريوهات وفهم المآلات.
يجب أن نتعامل مع الواقع كما هو فيما يطرحه من معضلات لأن الذي يرث إدارة مترهلة يستحيل أن يكون له موقع تفاوضي في اجتماعات المجلس الوزاري كما أن الذي تسنده أغلبية لا تمتلك قرارها لا يستطيع حتى أن يدرج ما يريد في جدول أعمال هذا المجلس ذو الطبيعة الإستراتيجية.
إن أي تدخل للحكومة على مستوى أنماط تدبيرها محكوم بالإطار العام للتوازنات المالية المقرونة بما سلف ذكره وبالتالي تعتبر عملية تحديث أنماط تدبير الشأن العام في الدولة كقرارات عملياتية مرهونة بقضايا مرتبطة على المستوى الإستراتيجي بحكامة تحديث هياكل الدولة فيما يعنيه من تطوير للهندسة المؤسساتية للحفاظ على أهداف المشاريع المهيكلة.
خلاصة عامة:
1- لقد نجحت حكومة السيد عبد الإله بنكيران في أول تمرين صعب لتنزيل الدستور وهو اللجوء إلى المجلس الوزاري قبل عرض البرنامج الحكومي على البرلمان حيث جاء على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة بأن البرنامج يتضمن قضايا ذات طبيعة إستراتيجية، وكون الإجراء سابقة في المغرب يبرره أن الدستور المغربي ولأول مرة يفصل بين ما هو استراتيجي في الدولة ويضع له مؤسسة خاصة بالأمور الإستراتيجية وما هو تنفيذي يترجم التوجهات الإستراتيجية العامة وتتكلف به الحكومة بصلاحيات حقيقية وواسعة. ولو لم يتنبه رئيس الحكومة لهذا الإجراء التقني وطرح برنامجه مباشرة أمام البرلمان دون اللجوء إلى المجلس الوزاري علما أنه يتضمن قضايا إستراتيجية لكان موقفه ضعيفا أمام الملك وأمام المعارضة لأنه بذلك يكون في وضعية من يخرق الدستور وهو المسؤول الأول عن كيفية تنزيله.
2- قول حسن طارق عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي بأن المجلس الوزاري ليس من اختصاصه المصادقة على البرنامج الحكومي قول ينتمي إلى عهد الدستور القديم لأن المؤسسة المخول لها التداول في التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية لا بد وأن تتداول في الشق الإستراتيجي لما هو مرتبط البرنامج الحكومي وعليه يكون التنزيل الديمقراطي للدستور عنوان للانسجام مع روحه العامة والمتمثل في الحكامة التشاركية بين الملك والحكومة فيما يتعلق أساسا بالأمور الإستراتيجية في الدولة.
3 – حينما تتحدث الحكومة 
الجديدة عن وجود قضايا إستراتيجية في برنامجها الحكومي وأنها سوف تلجئ إلى المجلس الوزاري للتداول فيها، فهذا يعني أن الحكومة لها تصور استراتيجي تريد أن تتداول فيه مع الملك قبل طرح برنامجها على البرلمان ويمكن أن نعتبر أنه من ضمن القضايا الإستراتيجية الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة والمطروحة على أجندة الدولة ملكا وحكومة ومعارضة ومجتمع مدني هي قضية تنزيل الدستور ولنا عودة مفصلة في الموضوع. 

GouvernanceTV

التصنيفات
الحكامة بالمغرب

الجماعات الصديقة للأطفال و الشباب .: اية فعالية ؟

قناة الحكامة

احتضنت قاعة الاجتماعات بمقر جماعة بني مطهر المزينة بملصقات تسر الناظرين لاتفاقية حقوق الطفل واشهار للمجالس الجماعية للأطفال و الشباب ، وطيلة ايام الاسبوع الاخير من شهر نونبر 2014 ، لقاءات و ورشات اشرف عليها واطرها الخبير في التنمية الاستاذ سعد بوعشرين و مبعوث منظمة اليونسيف رفقة ممثلتها الاستاذة سناء بنعودة  و فريق مواكبة  ، وتحت اعين ومتابعة ممثل لوزارة الداخلية و لعمالة جرادة  ، تروم اختبار توسيم الجماعات الصديقة للطفل الخمس بالمغرب و التي تعتبر جماعة بني مطهر احدى مكوناتها الاساسية و الفاعلة . يشار الى ان هذه الدينامية تندرج ضمن اطار برنامج التعاون بين الحكومة المغربية و منظمة اليونسيف والتي انطلقت بموجب ميثاق موقع تحت الرئاسة الفعلية للأميرة لالا مريم بالرباط بتاريخ 20 نونبر 2009 بهدف  اطلاق مبادرة الجماعة صديقة الاطفال و الشباب لدعم المخططات الجماعية للتنمية وذلك بادماج حقوق الاطفال و الشباب فيها و الدفع بهذه الشريحة للمشاركة في تدبير الشأن المحلي والاسهام في تنمية المجتمع . وتأتي هذه اللقاءات  كتتويج لسيرورة ومراحل ومحطات انطلقت بعد التوقيع على هذا الميثاق ومصادقة المجلس الجماعي على الانخراط في هذا المشروع في اكتوبر 2010 ، و بإنجاز بحث تشاركي حول الجماعة الصديقة للأطفال و الشباب و ادماج نتائجه في برنامج عملها سنة 2011 واعداد الخطة الاستراتيجية لحقوق هذه الشريحة الهامة من المجتمع سنة 2012 وانجازها وتتبع مسارها بين 2012 2014 بمساهمة وتنسيق مجالي لمختلف الفاعلين و القطاعات ذات الصلة. هذا وقد انطلقت هذه الاجتماعات بلقاء مع الفريق التقني الجماعي و المنشطين للورشات قصد التمكين الموضوعاتي والاستعداد اللوجيستيكي يوم 23 نونبر 2014 ، تلته صباح اليوم الموالي عملية تنظيم ورشات اربع تضم كل ورشة اثنى عشر طفلا / تلميذا تتراوح اعمارهم بين 8 و10 سنوات ، يؤطرها فاعلون  ينتمون  للجماعة و العمالة و المجتمع المدني بمعية فريق المواكبة تروم اختبار هذه الشريحة المستهدفة لمدى استيعابها وتمثلها للجوانب المتعلقة بالحماية و الامن و المشاركة وتقييم اثرها عليهم ، وبالتالي مدى التزام الجماعة بتعهداتها وبرنامجها وخطتها الاستراتيجية… . كما نظمت  في مساء نفس اليوم ولنفس الغرض ورشات خاصة بالتلاميذ الذين تتراوح اعمارهم بين 13 و18 سنة . اما الفئة الثالثة من الشباب الذين يتراوح سنهم بين 19 و24 سنة فقد شاركت في ورشات من نفس النوع ولكن في محاور اخرى متعلقة اساسا بهذه الفئة العمرية و انشغالاتها يوم الثلاثاء  صباحا   ، فيما تم تخصيص مساء اليوم ذاته لورشات تلامس ، عبر استمارات دقيقة ، مدى رضى اباء واولياء التلاميذ على ما تحقق لمصلحة ابنائهم من لدن هذه الجماعة الصديقة للأطفال و الشباب . وقد وجهت الدعوة يوم الاربعاء لمختلف المصالح الخارجية و المؤسسات التعليمية و الصحية ومقدمي الخدمات عموما ، بالإضافة لفعاليات المجتمع المدني للمشاركة في ورشة الحكامة وملئ الاستمارات التي اعدها المشرفون على هذه اللقاءات التي شهدت نقاشا جادا و مسؤولا لامس من خلالها كل المتدخلين الجوانب التي شهدت تطورا ملموسا دون غض الطرف عن الاختلالات و التعثرات التي تشهدها الجماعة و التي لها امتدادات اقليمية و جهوية ووطنية. وبعد قيام الفريق المواكب للعملية بتحليل المعطيات و تفريغ الاستمارات  تم عقد اجتماع انتظرته كل الفئات و الاطراف المدعوة لتقديم الحصيلة الشبه نهائية ، حضره  العديد من الفعاليات تمكن  من خلاله ، وبامتياز ، الاستاذ المشرف سعد بوعشرين من بسط التحديات التي تنتظر المغرب و الاشواط التي قطعها للانتقال من فترة ونموذج حكم عمودي لمرحلة التأسيس لديمقراطية تشاركية يسهم فيها الجميع لبناء مجتمع المواطنة و الحق و الواجب و القانون واشراك كل الفئات وفي مقدمتها الشباب و الاطفال ، لينتقل الى عرض النتائج الاولية للورشات و الاستمارات خاصة المتعلقة بالصحة و الخدمات الاجتماعية و العرض التربوي و الامن و الحماية وبيئة المنزل والتشغيل و الحكامة ، ليفتح باب النقاش و التعليق على هذه النتائج التي اعتبرها المتدخلون نتائج موضوعية تستدعي دعم الجماعة لاستثمار الايجابيات و نقط القوة و العمل على تجاوز السلبيات و نقط الضعف التي يسهم فيها كل الاطراف خاصة ما يتعلق بالتواصل وتفعيل الياته وضرورة بذل مجهودات اكبر لمسايرة التحولات التي يعيشها المغرب والعالم سيما ما يتعلق بحقوق الاطفال و الشباب واجراتها  من قبيل خلق فرص للشغل بالجماعة وضمان معيش افضل لهم و لذوي الحاجيات منهم.. يذكر ان مختلف الفعاليات الحاضرة ، ورغم اختلاف تفاعلها مع نتائج الاستمارات ، ثمنت المجهودات الذاتية والجماعية المبذولة من طرف المجلس وموظفي الجماعة و الشركاء والسكان ، واثنت على حسن تنظيم هذه اللقاءات والورشات على كل المستويات.

عن وجدة سيتي

GouvernanceTV

التصنيفات
الحكامة بالمغرب

توقعات رئيس المعهد المغربي للحكامة للانتخابات الجماعية والجهوية

قناة الحكامة

توقع سعد بوعشرين، رئيس المعهد المغربي للحكامة، أن تصل نسبة المشاركة في الانتخابات الجماعية والجهوية ليوم 4 شتنبر أزيد من 55 في المائة، معزيا الفضل في تحقيق هذه النسبة إلى “ملك الفقراء”، محمد السادس، بفضل دعوته الصريحة للمغاربة بالذهاب للتصويت.

واستند بوعشرين، ضمن تصريح توصلت به هسبريس، على مؤشرات عديدة منها “الدينامية الجديدة التي تعرفها الساحة السياسية، سواء من خلال تفاصيل الحملة الانتخابية التي اكتسحت المجال الرقمي، حيث نشطت المواقع الاجتماعية في التعبئة للمرشحين، أو من خلال حرارة التنافس بين الفرقاء”.

وقال رئيس المعهد المغربي للحكامة إن السبب الرئيسي، والذي لا يمكن إغفاله في هذا السياق، هو الدعوة الصريحة من طرف الملك في خطابه الأخير إلى الأمة للتصويت، وقطع الطريق على المفسدين، وهي دعوة صريحة من طرف ملك الفقراء تعتبر مغامرة خارج نطاق الاستثناء المغربي”.

وأردف بوعشرين أن ملك البلاد طالب شعبه للانخراط في عملية التصويت حتى إذا جاءت النسبة ضعيفة وقع الحرج”، مشيرا إلى أن المغاربة عهدوا منذ اعتلاء الملك عرش المملكة، وهو يرسم ملامح نمط في تدبير شؤون البلاد بعقلية تحكمها الإنصات إلى نبض الشارع وتغليب المصلحة العامة، حتى وإن وضعت الملكية في موقع الحرج”.

واسترسل المتحدث بأن الملك غامر بتعيين تقنوقراط على رأس حكومة ما بعد عبد الرحمان اليوسفي، وربح الرهان، وغامر الملك بدستور 2011، معلنا تقاسم جزء من صلاحياته مع رئيس الحكومة، وربح الرهان، وغامر أيضا بتعيين بنكيران على رأس أول حكومة في عهد الدستور الجديد، وإرجاع الرجل القوي في حزب الأصالة والمعاصرة للاشتغال من داخل القصر، وربح الرهان.

واستطرد بوعشرين “الآن يغامر الملك من أجل القيام بالثورة الجديدة التي أعلن عنها في خطابه لتنزيل الجهوية المتقدمة، وهو حسما سوف يربح الرهان”، مضيفا أننا “أمام نموذج في الحكامة عبر عنه الملك في جميع خطبه، تترسخ معالمه محطة بعد محطة ونسبة المشاركة التي سوف تعرفها نتائج اقتراع اليوم خير دليل على أن من يقود المغرب يرهن رمزيته وهو متأكد أن الشعب الذي يحكمه لن يخذله أبدا”.

وذهب المصدر ذاته إلى أن “المغاربة أمام نموذج في الحكم، ونمط في التدبير لشؤون البلاد لم تعتد عليه بعد الطبقة السياسية، لذلك كان خطاب العرش يضع خارطة الطريق المفصلة، حتى تستطيع المجالس المنتخبة أن تنخرط في أولى أولويات بناء مغرب الحداثة والديمقراطية، ألا وهي التنمية المحلية، ومحاربة الهشاشة، والفقر في المناطق النائية”.

GouvernanceTV

التصنيفات
الحكامة بالمغرب

المجلس الوزاري في المنزلة بين المنزلتين 

قناة الحكامة

سعد بوعشرين

في الوقت الذي تعلن فيه جريدة أخبار اليوم على صفحتها الأولى عدد 651 ليوم الاثنين 16 يناير أن رئيس الحكومة من المستبعد أن يعرض البرنامج الحكومي على المجلس الوزاري للمصادقة عليه قبل عرضه على البرلمان تتحدث جريدة الأحداث المغربية في عددها 4561 لنفس اليوم وحسب مصدر حزبي مطلع أن البرنامج الحكومي سوف يعرض على المجلس الوزاري قبل البرلمان. وحسب نفس الجريدة دائما أن مصادر مطلعة رجحت أن تكون الترتيبات تسير في اتجاه عرض البرنامج الحكومي على المجلس الحكومي غدا الثلاثاء ، وإحالته على البرلمان يوم الجمعة القادم وذلك بعد مجلس وزاري مرتقب بين فترتي المجلس الحكومي والبرلمان. ولم تستبعد نفس المصادر إمكانية المرور مباشرة إلى البرلمان لعرض البرنامج الحكومي حتى دون عقد اجتماع لمجلس الوزراء، في حالة عدم رصد تغييرات جوهرية في السياسة العامة للبلاد قد يكون تضمنها البرنامج. 
لا أعتقد أن الأمر فيه ارتباك للحكومة أمام هذا الأمر ولا أعتقد كذلك أن المسألة مرتبطة بوجود إشارة في الدستور الجديد من عدمها تنظم إجراء من هذا النوع. الموضوع أولا يشكل سابقة في تاريخ تنصيب الحكومات بالمغرب. فالدستور القديم لم يتحدث بالنص الصريح عن وجود مؤسسة ذات طبيعة إستراتيجية مخول إليها التداول في التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة كما أن البرامج الحكومية كانت في عمومياتها تبتعد عن ما هو استراتيجي لأنها تعتبره ضمنيا فضاء من اختصاص الملك وأن الحكومة هي الأداة التنفيذية لترجمة التوجهات الإستراتيجية للدولة التي يرسم معالمها الملك من خلال خطبه ويشرف على تفاصيلها مستشاروه قبل أن تشرع الحكومة في التنفيذ والإشراف العملي. وهذا التفصيل هو الذي أطر مرحلة الأوراش الكبرى التي أطلقها الملك طيلة العشر سنوات الفارطة في تناغم مع الحكومات الثلاث السابقة قبل مجيء المناخ الجديد والذي يعرف بالربيع العربي حيث سقوط ثلاث أنظمة عربية أدى في المغرب إلى دستور جديد أعاد ترتيب دوائر القرار بين الملك والحكومة في إطار مقاربة تشاركية لصناعة القرار الإستراتيجي في الدولة داخل مؤسسة هي الأخرى ذات طبيعة إستراتيجية تحت عنوان المجلس الوزاري وينظم صلاحياتها الفصل 49 من الدستور الجديد.
ثانيا، نحن أمام تمرين جديد على كيفية ممارسة الدستور الجديد. وهناك تفاصيل تعتبر معاملات جديدة في صياغة معادلة التوازن على مستوى صناعة وتدبير القرار الإستراتيجي في الدولة. التفصيل الأول يتمثل في كون الحكومة تعلن على أن برنامجها يتضمن بعض القضايا ذات طبيعة إستراتيجية وهي في مرحلة إعداد هذا البرنامج وبالتالي من الضروري المصادقة على هذه القضايا داخل المجلس الوزاري قبل عرض البرنامج على البرلمان. أما التفصيل الثاني فيتمثل في تعامل المؤسسة الملكية مع هذا الأمر إذ تصبح الحكومة صاحبة المبادرة في الدعوة إلى انعقاد المجلس الوزاري وهو أمر في حد ذاته سابقة. أما التفصيل الثالث فيتمثل في كون الدستور الجديد لم يتحدث عن كيفية تدبير هذا الإجراء الشيء الذي قد يستدعي تدخل المحكمة الدستورية في كل الحالات سواء تعلق الأمر بالذهاب إلى البرلمان مباشرة ببرنامج حكومي ذو توجهات إستراتيجية جديدة أو تعلق الأمر بعرض البرنامج الحكومي على المجلس الوزاري قبل البرلمان في غياب أي نص في الدستور ينظم هذا الإجراء.
ثالثا، حتى تنتهي الحكومة من صياغة برنامجها ،وأشير هنا على ما يبدو أن الأغلبية الحكومية تشتغل في جو من الأريحية فيما يخص هذا الأمر بالذات، وهي حرة في تقديم برنامجها للمغاربة دون تدخل من طرف مستشاري الملك. فإذا جاءت الحكومة بتوجهات إستراتيجية جديدة ولها قدرة الدفاع عنها فأمامها المجلس الوزاري حيث من اختصاصه التداول في طبيعة هذه التوجهات قبل عرض البرنامج على البرلمان لأن الفصل 49 ينظم بدقة صلاحيات هذا المجلس، وعليها مواجهة المعارضة الظاهرية ( التي تأخذ بظاهر النص الدستوري دون تأويل ) وإذا شاءت الحكومة الاستمرار في التوجهات العامة للدولة والاهتمام بالشق العملياتي كما جاء في برامجها الانتخابية “فكفى الله المؤمنين شر القتال”.
رابعا، لا أعتقد أننا سوف نستطيع أن ندخل ورش التنزيل الديمقراطي للدستور ونحن نتعامل مع الوثيقة الدستورية بفقه القانون الدستوري وأدوات العلوم السياسية فقط في حين أن سياق التحول في المغرب كما في العالم العربي يفرز يوميا تعقيدا وضبابية ومخاطر وتسارع في الأحداث وبالتالي وجب تدبير هذا السياق بأدوات الحكامة فيما تعنيه من :
(Les bonnes pratiques dans les différentes disciplines)
 

عن هسبريس

GouvernanceTV

 

التصنيفات
الحكامة بالمغرب

رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة لضبط بوصلة البرنامج الحكومي

قناة الحكامة

سعد بوعشرين

السيد رئيس الحكومة المحترم، سبق وأن طرحت عليكم سؤالا في إحدى ندواتكم الصحافية حول استراتيجية تدبير المخاطر لحزبكم، وكنتم آنذاك أمينا عاما لحزبكم فقط، وكان جوابكم أنكم قد درستم شيئا في الموضوع ونسيتموه… 
اليوم أطرح على سيادتكم نفس السؤال بصيغة مختلفة وأنتم رئيسا لحكومة المغاربة، وأتمنى أن يكون جوابكم على المستوى العملي مخالفا.
أولا: في البداية لا بد أن أشير إلى العناصر الأساسية التي تؤطر السجال السياسي الحالي بالمغرب. العنصر الأول يتمثل في حجم الرهانات والتحديات التي تنتظر الحكومة الحالية أمام ورش التنزيل السليم والديمقراطي للدستور، العنصر الثاني يتمثل في حجم الشعارات والوعود التي جاء بها البرنامج الحكومي في ظل ظرفية تتسم بطابع الأزمة التي يعاني منها الشركاء الإستراتيجيون للمغرب وأخص بالذكر 
فرنسا وإسبانيا والعنصر الثالث هو الحالة العامة للاقتصاد المغربي وللإدارة المغربية التي تضع تحديات حقيقية أمام وصول البرنامج الحكومي إلى الأهداف التي التزم بها. الحكومة اليوم تجد نفسها أمام جبهات عدة أهم جبهة فيها هو القدرة على امتلاك رؤية إستراتيجية تمكنها من استجماع تفاصيل برنامجها السياسي في إطار مقاربة واضحة تستطيع من خلالها أن تفصح على النموذج الذي تتبناه فيما يخص قضايا التدبير العمومي. هناك أنماط معروفة وثابتة في علوم التدبير فهل ستشتغل الحكومة بنمط التدبير بالمشروع أم من خلال التدبير بالأهداف أم من خلال التدبير بالنتائج وهل لديها تصورها الخاص في مسألة تدبير التحول ومن داخل أية مدرسة علمية سوف تشتغل على أوراش الإصلاح وأي نموذج في رصد التحولات تتبناه وأي نموذج كذلك في رصد المآلات هي بصدد تطويره. لا يكفي أن نعلن عن برنامج ينتمي في مرجعيته إلى القانون المنظم لقانون المالية الفرنسي ولا نفصح على التفاصيل العامة لخطة البرنامج الحكومي في قياس درجة الأداء وقياس النجاعة وقياس المخاطر هذا فضلا عن الغموض الذي يحوم حول منظومة نظام القرار ونمط الحكامة المتبع. أعتقد أن هذه التفاصيل هي ما يجب أن يشكل مواضيع السجال السياسي وما دونه مضيعة لفرصة المغاربة في التنمية والتغيير وخيانة للثقة التي وضعها الملك في الحكومة. لنأخذ مثالا على ما يجري فيما هو مرتبط بالمخطط التشريعي، لماذا لم تطلق الحكومة أوراشا تشاورية بين كل الفاعلين الإستراتيجيين للخروج بخارطة طريق فيما يخص ترتيب عملية إخراج القوانين التنظيمية التي جاء بها الدستور وفق لائحة أولويات متفق عليها علما أن الحكومة تتبنى الحكامة في منظومة أداءها فيما يعنيه من اقتسام للقرارات ذات الطابع الإستراتيجي مع المعارضة وبالتالي تعفي نفسها من الانتقادات.
ثانيا: قد يبدو لبعض القائمين عن الشأن العام في المغرب أن الأمر يتعلق بثغرات وعيوب في التدبير للبرنامج الحكومي لكن الإشكالية هنا لا ترتبط بالثغرات والعيوب في ما يخص التدبير الحكومي للملفات بل ترتبط أساسا بمدى قدرة الحكومة على استيعاب تفاصيل وأبعاد برنامجها وكذلك في وضوح مقاربة الحكومة للإشكاليات المطروحة والتي لها طابع استراتيجي على الخصوص. لنتحدث أولا على إشكالية الالتقائية فيما يخص السياسات القطاعية للدولة والتي تراهن عليها الحكومة لكسب نقط إضافية في معدل النمو حسب تصريحها. لا أعتقد أن الحكومة تتحرك في اتجاه تطوير أجوبة أولية في هذا المجال والسبب هو النقص في الخبرة من جهة وغياب الآلة الإدارية القادرة على الاشتغال في هذا المجال علما أن العبء كله في هذا المجال يطرح على عاتق الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالشؤون العامة والحكامة. التجارب الدولية في هذا المجال تدفعنا إلى نقاش أعمق يتجلى في البداية في البحث عن التمفصل القائم بين البعد الإستراتيجي في البرنامج الحكومي وبعد الحكامة في نفس البرنامج حتى تستطيع الحكومة أن تعثر على المتجهات الضرورية للالتقاء بين المشاريع المهيكلة التي أطلقها الملك طيلة فترة الثلات حكومات السابقة والإستراتيجيات القطاعية وبين دينامية الإصلاح الإقتصادي والمؤسساتي والإداري. أضرب مثالا فقط للتوضيح : فيما يخص ورش الإصلاح لمنظومة المالية العمومية (مع التأخير الحاصل في إخراج القانون المنظم لقانون المالية والذي لا ندري مكانه ضمن المخطط التشريعي للحكومة مما يعنيه من ممارسات للنفقات العمومية تنتمي إلى دستور مالي حديث في ظل قانون منظم للمالية متقادم حيث تتوقع الحكومة مدة خمس سنوات لاستكمال بناءه) وأركز فقط على مفهوم الإطار المتعدد الأفق للنفقات والذي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مشاريع الدولة ذات الطابع الإستراتيجي، لا تمتلك الحكومة لحد الآن رؤية شاملة مرتبطة بالموضوع علما أن الإلتقائية التي تراهن عليها الحكومة في هذا المجال لا بد وأن تمر عبر الإطار الشامل للنفقات المتعددة الأفق والذي يجب تجميعه على مستوى رئاسة الحكومة حتى تتمكن على الأقل من تحضير رؤية لما ستقبل عليه في مجال السياسات العمومية الترابية والتي تقتضى المرور إلى الإطار الجهوي المتعدد الأفق للنفقات. هناك طبعا تحديات أخرى مرتبطة بالموضوع لا يتسع المجال للتفصيل فيها.
ثالثا: أعتقد أن عنوان الحكامة من خلال البرنامج الحكومي يختزل في المقاربة الأخلاقية فيما يعنيه محاربة الريع والفساد خصوصا وأن الحكومة انطلقت في الكشف عن لوائح المستفيدين من الريع كعربون عن جديتها في الموضوع، لكن مع مرور الوقت اكتشفت أنها أمام أولويات اقتصادية تتجاوز بكثير أفق الكشف عن المستفيدين من الريع والفساد إلى أفق أعمق منه وهو المستفيدون من خيرات الإقتصاد المغربي من فاعلين دوليين يمارسون أنشطة اقتصادية داخل المغرب في تنافس ساحق للشركات الوطنية ولا تستطيع الترسانة القانونية المغربية أن تحمي اقتصادنا الوطني من المنافسة غير القانونية مما يتطلب نمطا متطورا في الحكامة القانونية لا توجد تفاصيله في البرنامج الحكومي. نحن قلقون من تصور الحكومة فيما يخص ميكانيزمات تفعيل مقتضيات الحكامة. هناك أمثلة تبرر حالة القلق هاته، فبالنسبة لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي الذي يعتبر قطاعا استراتيجيا بالنسبة للمغرب الذي يعتمد على كفاءات أبناء بلده كرافعة للتنمية، يوجد على رأسه وزير غادر القطاع منذ سنوات في إطار المغادرة الطوعية وهو الآن بصدد اتخاذ إجراءات متناثرة لا تنتمي إلى أية استراتيجية تتقاطع مع التزامات البرنامج الحكومي، لقد ألغى مجموعة من التكوينات الجامعية المؤدى عنها وهو بصدد ضرب مجانية التعليم وفي الوقت ذاته يقوم بالتلويح بفرض رسوم جامعية على الطلبة في الوقت الذي يفتح فيه مجال الاستثمار للجامعات الخصوصية الدولية في غياب أية دراسة لتوضيح أهداف هذه الاجراءات أو ربطها بالاستراتيجية العامة للنهوض بالقطاع مع الأخذ بعين الاعتبار حالة السخط العامة التي تخيم على الدخول الجامعي المقبل سواء في صفوف الأساتذة أو الطلبة. أما على مستوى وزارة التجارة والصناعة، فبالرغم من كل المجهودات السابقة فيما يخص استراتيجية المغرب الرقمية ومع وجود صندوق خاص للمغرب الرقمي لم نلحظ أية مبادرة من حجم ما يزخر به المغرب من كفاءات وبنية تحتية للنهوض باقتصاد المعرفة الذي قد يشكل كذلك رافعة للاقتصاد الوطني في زمن الأزمة. أما على مستوى رئاسة الحكومة فأهم ما يميزها هو البخل في إصدار الأوراق العملية لترجمة استراتيجيتها في الميدان ويطغى عليها ارتباك ملحوظ مثل ذلك الارتباك الذي يعيشه التلميذ أمام ورقة الامتحان وهو لم يقم بهضم دروسه جيدا استعدادا لساعة الاختبار في حين أن المغاربة ينتظرون من السيد رئيس الحكومة مبادرات جادة لتحسين مناخ الأعمال لامتصاص الأزمة الاقتصادية. يجب على من يهتم بتحسين مناخ الأعمال في المغرب وعلى رأسهم الحكومة الحالية أن يأخذ بعين الاعتبار نمط الحكامة المطلوب وليس اختزال موضوع الحكامة في المقاربة الأخلاقية. أمامنا تجربة ميثاق حسن التدبير لحكومة التناوب إذا كانت الحكومة تهتم بذاكرة المشاريع العمومية في المغرب.
رابعا: في ما يخص ضبابية تعاطي الحكومة مع ملف انتخابات الجماعية الترابية المقبلة. سوف أقتصر على الإشارة إلى ما قلته في البداية وهو الحجم الكبير لتحديات تنزيل الدستور وخصوصا مشروع الجهوية الموسعة، قبل الإعلان عن موعد الانتخابات الجماعية لا بد من إنضاج شروطها القانونية والمؤسساتية والتنظيمية. لا يعقل أن نمنح صلاحيات واسعة لرئيس الجهة أو الجماعة كآمر بالصرف في غياب دستور مالي يكمن في إخراج القانون المنظم لقانون المالية وتنصيصه على مختلف الإجراءات والصلاحيات التي يجب أن يتمتع بها الآمر بالصرف الجهوي وكذلك إعادة النظر في قانون 45-08 المنظم للمالية العمومية المحلية وقانون المحاسبة العمومية المحلية ولا يمكن الحديث عن صلاحيات منقولة من المركز إلى الجهات إذا لم نعد النظر في الميثاق الجماعي وهذه أوراش تشاورية يجب أن تشكل في المرحلة الحالية من عمر الحكومة أولى الأولويات.

GouvernanceTV

التصنيفات
الحكامة بالمغرب

بعد مؤتمر العدالة والتنمية أصبحت الأحزاب بدون بوصلة 

قناة الحكامة

سعد بوعشرين

قبل عشر سنوات وبالضبط في 21 أكتوبر 2002، نشرت لي جريدة العصر مقالا تحت عنوان “المغرب بين الانتقال الديمقراطي ودكتاتورية النخبة ” والجريدة المذكورة كانت آنذاك الجريدة الناطقة باسم حزب رئيس الحكومة الحالي. جاء في التقديم عبارة ” عذرا أيها الأصدقاء، فالذي لا يعرف تاريخه مكتوب عليه أن يعيشه مرة أخرى” وختمت المقال بعبارة ” قد تمكننا خمس سنوات أخرى من تعميق الإحساس بهويتنا في ظل قيادة محافظة تستطيع أن تمتص بعضا من سلبيات المد الصهيوني المتبجح داخل مجتمعنا وترجعنا إلى اللحظة الحضارية التي نسترجع فيها أمننا الثقافي الضائع وسط أمواج العولمة الجارفة، ولا بأس بقليل من الجوع لو قمنا متذوقين طعم الهوية وأصبحنا على رائحة نسيم الحرية وأصوات المآذن ، فالطفل الفلسطيني يصلي في القدس تحت طلقات الدبابات، لماذا لا نصلي نحن شكرا لله على نعمة الأمن وننخرط في مسلسل التنمية لنحرر أنفسنا أولا”. 
اليوم ينعقد مؤتمر حزب العدالة والتنمية بجلسة افتتاحية فاقت 30 ألف مشارك وأكثر من 400 وفد وعلى رأس الوفود رمز الكفاح الفلسطيني البطل خالد مشعل الذي يمثل الامتداد التاريخي لذاكرة المشروع الحضاري الإسلامي في خطوط المقاومة، وممثلو العدالة والتنمية التركي نموذج الإسلام الحداثي على أرض الواقع. المؤتمر هو مؤتمر الحزب الذي يقود الحكومة، والظرفية ظرفية أزمة اقتصادية بامتياز والإشارات واضحة، شعبية الحزب في صحة جيدة، والأنصار منضبطون للاختيارات مهما كانت قاسية، والمناضلون منضبطون لمبادئ وقواعد الحزب، وبوادر نجاح التجربة تلوح في الأفق ولم تعد نتائج البرنامج من الأولويات وأصبح هاجس الاستقرار أولوية لوحده. قدم الحزب أوراقا مستوعبة لتفاصيل المرحلة ومساطر أقل ما يقال عنها أنها ديمقراطية. لا مجال للبحث عن أمين عام تحت الطلب أو صراع أجنحة يوقف عجلة المؤتمر أو توافقات لا علم للمؤتمرين بها. الجميع يعيش أجواء المؤتمر وفي ذهنه ذاكرة سنين الكفاح الطويلة بكل عناوينها وتفاصيلها ممزوجة بروحية الإحساس بالنصر الذي انتظره طويلا.
نعم إن الذي لا يعرف تاريخه مكتوب عليه أن يعيشه مرة أخرى. فالذي لا تاريخ له لا مستقبل له كما أن الذي يتنكر لتاريخه حتما يخسر مواقع مهمة مرتبطة بمستقبله. لقد تعاقد حزب العدالة والتنمية منذ نشأته مع الملك وهو الآن يؤدي ما عليه حيث أصبح حزبا له مشروعية شعبية قادرة على حماية الاستقرار. وتعاقدت بعض الأحزاب التى تسمي نفسها كبرى مع الملك فخانت الأمانة وأصبحت بدون مصداقية وبدون قواعد وبدون مواقع وبدون مشاريع وبدون أفق بالرغم من كل شعارات الترميم والمحاولات اليائسة للتأهيل والإصلاح. السبب طبعا لا يكمن في غياب الديمقراطية الداخلية فقط أو غياب الدقة التنظيمية فقط أو تهميش الكفاءات فقط أو فقدان المصداقية فقط أو عدم القدرة على تجديد النخب فقط بل إضافة إلى كل هذا غياب العنصر الأهم ألا وهو “البوصلة لدى المؤسسة الحزبية”.
لا يوجد حزب في بلادنا من الأحزاب “المعتبرة” قادر أن يضبط إيقاعاته السياسية اعتمادا على ما تلوح به بوصلة الواقع وكأن أحزابنا تعيش المراهقة، وتنظر إلى نفسها تحت تأثيرات هرمون جنون العظمة وتعتبر نفسها متعالية على الشعب الذي عليه أن يكون في خدمتها. والحالة هاته أنها أصبحت تفقد مواقعها تدريجيا وباستمرار في الوقت الذي استطاع حزب العدالة والتنمية بغض النظر عن تفاصيل مشروعه السياسي أن يرفع أمامها العتبة الديمقراطية ليزيحها مع مرور الوقت نحو الهامش وهنا تكمن الخطورة.
في غياب البوصلة الحزبية، سوف يصبح حزب رئيس الحكومة القوة السياسية الوحيدة في المجتمع بدون منازع، مما سوف يؤثر على المعادلة الإستراتيجية للاستقرار والسبب ليس الخوف من الحزب الإسلامي المعتدل بل الخوف من ردود الأفعال الشاردة التي قد تنتج عن من فقد بوصلته ولم يبحث عنها في أعماق عيون المستقبل. الخطر اليوم يكمن في من لا يهتم بالحاضر ولا هم له في المستقبل. وهذا هو حال أحزابنا، لم تلتزم بمبادئ الماضي وتنكرت لتحديات الحاضر وفقدت بوصلة المستقبل فأصبحت تسيء لسمعة الدولة المغربية. المغرب شعب الأحرار وشعبه شعب صبور ومن حقه أن تمثله أحزاب حقيقية تمتلك بوصلة ، فهل يجرؤ حزب لا بوصلة له على وضع المفاتيح فوق الطاولة وإقفال المقر إلى موعد لاحق، أشك كثيرا في هذا الأمر.
 

عن هسبريس

GouvernanceTV